العيني

241

عمدة القاري

تقبيل الحجر ، فإن لم يمكنه ولم يصل إليه استلم بيده ، وقيل يده ، وإن كان لم يصل إليه استقبله إذا حاذى به وكبر ، وهو قول الشافعي انتهى . وخالف مالك في تقبيل اليد ، فقال : يستلمه ولا يقبل يده ، وهو أحد القولين عنه ، والجمهور على أنه يستلمه ثم يقبل يده ، وهو قول ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وجابر وعطاء بن أبي رباح وابن أبي مليكة وعكرمة بن خالد وسعيد بن جبير ومجاهد وعمرو بن دينار ، وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي والشافعي وأحمد ، وروى الحاكم من حديث جابر : ( بدأ بالحجر الأسود فاستلمه ، وفاضت عيناه بالبكاء وقبله ، ووضع يده عليه ومسح بهما وجهه ) . وروى النسائي من حديث ابن عباس عنه أنه قبله ثلاثا . وعند الحاكم : وسجد عليه ، وصحح إسناده ، وفيه كراهة تقبيل ما لم يرد الشرع بتقبيله من الأحجار وغيرها . وقال شيخنا زين الدين : وأما قول الشافعي : ومهما قبل من البيت فحسن ، فإنه لم يرد بالحسن مشروعية ذلك ، بل أراد إباحة ذلك ، والمباح من جملة الحسن ، كما ذكره الأصوليون . قلت : فيه نظر لا يخفى ، وقال أيضا : وأما تقبيل الأماكن الشريفة على قصد التبرك ، وكذلك تقبيل أيدي الصالحين وأرجلهم فهو حسن محمود باعتبار القصد والنية ، وقد سأل أبو هريرة الحسن ، رضي الله تعالى عنه ، أن يكشف له المكان الذي قبله ، رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو سرته ، فقبله تبركا بآثاره وذريته ، صلى الله عليه وسلم ، وقد كان ثابت البناني لا يدع يد أنس ، رضي الله تعالى عنه ، حتى يقبلها ، ويقول : يد مست يد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وقال أيضا : وأخبرني الحافظ أبو سعيد ابن العلائي قال : رأيت في كلام أحمد بن حنبل في جزء قديم عليه خط ابن ناصر وغيره من الحفاظ ، أن الإمام أحمد سئل عن تقبيل قبر النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وتقبيل منبره ، فقال : لا بأس بذلك ، قال : فأريناه للشيخ تقي الدين بن تيمية فصار يتعجب من ذلك ، ويقول : عجبت أحمد عندي جليل يقوله ؟ هذا كلامه أو معنى كلامه ؟ وقال : وأي عجب في ذلك وقد روينا عن الإمام أحمد أنه غسل قميصا للشافعي وشرب الماء الذي غسله به ، وإذا كان هذا تعظيمه لأهل العلم فكيف بمقادير الصحابة ؟ وكيف بآثار الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ؟ ولقد أحسن مجنون ليلى حيث يقول : * أمر على الديار ديار ليلى * أقبل ذا الجدار وذا الجدار * * وما حب الدار شغفن قلبي * ولكن حبُّ من سكن الديارا * وقال المحب الطبري : ويمكن أن يستنبط من تقبيل الحجر واستلام الأركان جواز تقبيل ما في تقبيله تعظيم الله تعالى ، فإنه إن لم يرد فيه خبر بالندب لم يرد بالكراهة . قال : وقد رأيت في بعض تعاليق جدي محمد بن أبي بكر ، عن الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي الصيف : أن بعضهم كان إذا رأى المصاحف قبلها ، وإذا رأى أجزاء الحديث قبلها ، وإذا رأى قبور الصالحين قبلها ، قال : ولا يبعد هذا ، والله أعلم في كل ما فيه تعظيم لله تعالى . وفيه : في قول عمر ، رضي الله تعالى عنه ، التسليم للشارع في أمور الدين وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها . وقال الخطابي : فيه : تسليم الحكمة وترك طلب العلل وحسن الاتباع فيما لم يكشف لنا عنه من المعنى ، وأمور الشريعة على ضربين : ما كشف عن علته وما لم يكشف ، وهذا ليس فيه إلا التسليم . وفيه : قاعدة عظيمة في اتباع النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فيما يفعله ولو لم يعلم الحكمة فيه . وفيه : دفع ما وقع لبعض الجهال من أن في الحجر الأسود خاصية ترجع إلى ذاته . وفيه : بيان السنن بالقول والفعل . وفيه : أن للإمام إذا خشي على أحد من فعله فسادا اعتقاده أن يبادر إلى بيان الأمر ويوضح ذلك . فائدة : روى الترمذي من حديث ابن عباس ، قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في الحجر الأسود : ( وإنه ليبعثه الله تعالى يوم القيامة ، له عينان يبصر بهما ، ولسان ينطق به يشهد على من استلمه بحق ) . ورواه ابن ماجة أيضا ، وابن حبان في ( صحيحه ) ، وروى الحاكم في ( المستدرك ) والطبراني في ( المعجم الأوسط ) من حديث عبد الله ابن عمرو : أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : ( يؤتى الركن يوم القيامة أعظم من أبي قبيس ، له لسان وشفتان يتكلم عمن استلمه بالنية ، وهو يمين الله التي يصافح بها خلقه ) . قال الحاكم : صحيح . وفيه : جواز كلام الجمادات ، ومنه تسبيح الحصى وكلام الحجر ووجود اللسان والعينين للحجر الأسود هل يخلقه الله تعالى فيه يوم القيامة أو هو موجود فيه قبل ذلك ؟ وإنما هو أمر خفي غامض يحتمل الأمرين . وفي حديث علي ، رضي الله تعالى عنه ، الموقوف عليه أن هذا الوصف كان موجودا له من يوم * ( لست بربكم ) * ( الأعراف : 271 ) . قوله : ( يشهد على من استلمه ) ، على : هنا بمعنى : اللام ، وقد ورد في رواية الأحمد والدارمي في مسنديهما يشهد لمن استلمه بحق وكذلك